محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

343

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

والضيم في اللغة معناه : انتقاص الحقّ والحفيّ هو : اللطيف ، ولطفه بعبده : علمه بدقائق مصالحه وخفيّات مآربه ، وإيصال ذلك إليه برفق ، قال اللّه سبحانه وتعالى : اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ [ الشورى : 19 ] . ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك . التوسّل : التقرّب ، والوسيلة : ما يتقرب به ، وأعظم وسائل العبد إلى مولاه ، هو تحققه بما توجبه عبوديته ، وهو : فقره إليه في كل حال من أحواله ، فلا يرى لنفسه حسنة يقتضى بها ثوابا ، ولا يدلى بحجة يستدفع بها عن نفسه عقابا قال أبو زيد ، رضي اللّه تعالى عنه : « نوديت في سرّي ، فقيل لي : خزائننا مملوءة من الخدمة ، فإن أردتنا فعليك بالذّلة والافتقار . وسئل أبو حفص رضي اللّه عنه : « بماذا يقدم الفقير على ربّه ؟ فقال : وما للفقير أن يقدم به على ربه سوى فقره » . وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك . بين المتوسل به والمتوسّل إليه نسبة تامة ووصلة حقيقية ، وهي التي اقتضت له وجود التوسّل ، لا نسبة ولا صلة بين الفقر الذي هو نعت العبد وبين الربّ الذي له الغنى الأكبر . وأيضا ، توسّل العبد بفقره يقتضى شهوده له ، واعتداده به ، واعتماده عليه ، ورؤية العبد لأحواله وسكونه إليه علة فيها ، والأحوال المعلولة لا تليق بالحضرة الإلهية ، ولا تصل إلى اللّه تعالى ، بمعنى أنه لا يرضاها ولا يقبلها ، فالفقر لا يصح التوسل به من هذا الوجه أيضا ، وإلى هذا المعنى يشير ما يحكى عن سيدي أبي الحسن الشاذلي حين دخل على شيخه أبي محمد عبد السلام رضي اللّه تعالى عنهما ، فقال له : يا أبا الحسن ، بماذا تلقى اللّه تعالى ؟ قال له : بفقري قال له الشيخ ، واللّه ، لئن لقيت اللّه بفقرك لتلقينّه بالصنم الأعظم ، ولا تصح حقيقة الفقر إلا بالغيبة عن الفقر ، وإلا كنت غنيا بفقرك » انتهى فإذن لا وسيلة إلى اللّه بسواه . أم كيف أشكو إليك حالي وهي لا تخفى عليك . شكوى الحال لا تصح إلا لمن هي غائبة عنه ، وهو غير عالم بها ، واللّه تعالى لا يخفى عليه شيء ، وقد قال إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : « حسبي من سؤالي علمه بحالي » . أم كيف أترجم لك بمقالي وهو منك برز إليك . الترجمة بالمقال ، هي : التعبير باللسان عمّا في الضمير ليقع التفهيم بذلك للمترجم له ، واللّه تعالى هو الذي أنطق اللسان ، وأطلقه بذلك ، فالترجمة من اللّه تعالى برزت وإليه